الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
582
انوار الأصول
لكن موارد تبدّل رأي المجتهد ليست من هذا القبيل غالباً لأنّ ما يتبدّل عند المجتهد في غالب الموارد إنّما هو الأمارات الظنّية المعتبرة ، كما أنّ رجوع المقلّد إلى مجتهد آخر أيضاً ليس من هذا القبيل أصلًا ، لأنّ الحجّة عنده إنّما هو قول المجتهد وهو أمارة ظنّية عقلائية أمضاها الشارع المقدّس . والمهمّ في المقام هو ما إذا كانت فتوى المجتهد على أساس أمارة شرعية وكان المبنى في حجّية الأمارات ، الطريقيّة ( كما هو الحقّ ) ، وحينئذٍ يستدلّ للإجزاء بوجوه عديدة : الوجه الأوّل : ( وهو العمدة ) إنّ إطلاقات أدلّة حجّية الأمارات لا تشمل الأعمال السابقة التي أتى بها المكلّف وفقاً لأمارات كانت حجّة عليه حين العمل ، وبعبارة أخرى : إنّ أدلّة حجّية الأمارات وإن كانت مطلقة من حيث الزمان ، ولكنّها منصرفة إلى زمان الحال والاستقبال ، ولا تشمل ما عمل سابقاً على وفق أمارة أخرى ، أي أنّ القدر المتيقّن منها إنّما هو الحال والمستقبل ، كما أنّه كذلك في الأمارات العرفيّة ، فمن أعطى دراهم بيد وكيله ، وأمره بأن يتّجر بها أحسن التجارة وأنفعها ، والوكيل لا يعلم ما هو أنفعها وأحسنها فيعتمد فيها على قول الخبرة ، ويسأل زيد الخبرة عنها مثلًا ، فيعمل على وفق رأيه ، ثمّ بعد مضيّ زمان يسأل عن عمرو الخبرة نفس ذلك ، فيجيبه بما يخالف رأي زيد ، فحينئذٍ هل يكون معنى حجّية كلام عمرو إبطال جميع العقود السابقة لأنّه لم يكن وكيلًا في ابتياع غير الأنفع ، فالعقود الواقعة عليها فضوليّة ، أو أنّ القدر المتيقّن منها إنّما هو بالنسبة إلى الحال والاستقبال ؟ لا إشكال في أنّ وجداننا العرفي يحكم بالثاني . وعلى أي حال : لا اطلاق في الاجتهاد الثاني حتّى يعمّ الواقعة السابقة ، ولا أقلّ من الشكّ في ذلك ، ولعلّ هذا هو مراد من قال ( وهو صاحب الفصول وغيره ) : « الواقعة الواحدة لا تتحمّل اجتهادين » ، ولعلّه هو العلّة للسيرة المدّعاة في كلمات بعضهم على عدم إعادة الأعمال السابقة ( وكون الإعادة أمراً مستغرباً في أذهان أهل الشرع بأن يعمل بفتوى مجتهد عشرات سنة ، ثمّ بعد تبدّله أو تقليد مجتهد آخر يعيد جميع أعماله التي عملها في هذه السنوات ، وكذلك فيما بعده من تبدّلات الرأي ، ولعلّه أيضاً المصدر الوحيد لما ادّعى من الإجماع في المسألة ، ولا أقلّ في العبادات . وإن شئت قلت : الإجماع المدّعى والسيرة المستمرّة التي وردت في كلمات بعضهم - ولا